الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
271
تفسير روح البيان
اى على الأبرار إذا أرادوا الشرب والطائف الدائر هو الخدم كما يجيى بِآنِيَةٍ أوعية جمع اناء نحو كساء وأكسية والأواني جمع الجمع كما في المفردات وأصل آنية أءنية بهمزتين مثل افعلة قال في بعض التفاسير الباء فيها ان كانت للتعدية فهي قائمة مقام الفاعل لأنها مفعول له معنى والا فالظاهر أن يكون القائم مقامه عليهم مِنْ فِضَّةٍ نسب لآنية وَأَكْوابٍ جمع كوب وهو الكوز العظيم المدور الرأس لا اذن له ولا عروة فيسهل الشرب منه من كل موضع ولا يحتاج عند التناول إلى ادارته وهو مستعمل الآن في بلاد العرب لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم وقدم عليه وصف الأواني التي يشرب بها وذكره بلفظ المجهول لان المقصود ما يطاف به لا الطائفون ثم ذكر الطائفين بقوله ويطوف إلخ كانَتْ قَوارِيرَا جمع قارورة بالفارسية آبگينه . وفي القاموس القارورة ما قر فيه الشراب ونحوه قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ اى تكونت وحدثت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها ولين الفضة وبياضها يرى ما في داخلها من خارجها فكان تامة وقوارير الأول حال من فاعل كانت على المبالغة في التشبيه يعنى ان القوارير انما تتكون من الزجاج لا من الفضة فليس المعنى انها قوارير زجاجية متخذة من الفضة بل الحكم عليها بأنها قوارير وانها من فضة من باب التشبيه البليغ لأنها في نفسها ليست زجاجا ولا فضة لما روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال ليس في الدنيا مما في الجنة الا الأسماء فثبت ان آنية الجنة مباينة في الحقيقة لقارورة الدنيا وفضتها ولان قارورة الدنيا سريعة الانكسار والهلاك وما في الجنة لا يقبل ذلك وفضة الدنيا كثيفة الجوهر لالطافة فيها وما في الجنة ليس كذلك وان شارك كل واحد منهما الآخر في بعض الأوصاف فشبهت بالفضة في بياضها ونقائها وبقائها وبالقارورة في شفافيتها وصفائها فهي حقيقة مغايرة لهما جامعة لاوصافهما وذلك كاف في صحة اطلاق اسم القارورة والفضة عليها وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما ان ارض الجنة من فضة وأواني كل ارض تتخذ من تربه تلك الأرض ويستفاد من هذا الكلام وجه آخر لكون تلك الأكواب من فضة ومن قوارير وهو ان أصل القوارير في الدنيا الرمل وأصل قوارير الجنة هو فضة الجنة فكما ان اللّه قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية فكذلك قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة صافية بالغرض من ذكر هذه الآية التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة الفضة الرمل فكما انه لا نسبة بين هذين الأصلين فكذا بين القارورتين كذا في حواشي ابن الشيخ قال بعضهم لعل الوجه في اختيار كون كانت تامة مع إمكان جعلها ناقصة وقوارير الأول خبر بتكوين اللّه فيكون فيه تفخيم للآنية بكونها اثر قدرة اللّه تعالى وقوارير الثاني بدل من الأول على سبيل الإيضاح والتبيين اى قوارير مخلوقة من فضة والجملة صفة لاكواب وقرئ بتنوين قوارير الثاني أيضا وقرئا بغير تنوين وقرئ الثاني بالرفع على هي قوارير قال ابن الجزري وكلهم وقفوا عليه بالألف الا حمزة وورشا وانما صرفه من صرفه لأنه وقع في مصحف